داود العطار
56
موجز علوم القرآن
القرآن الكريم وفصاحته ، وغرابة أسلوبه في الجمع بين الفخامة والعذوبة ، وسلامة نظمه واعتدال تركيب مفرداته ، لفظا ومعنى ، وتناسق حركات حروفه ، وهو في كل ذلك : أوله كآخره ، ووسطه كطرفيه ، بل ولجأوا إلى وسائل العنف والوقيعة برسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم وتعذيب المسلمين ، واستنفار المشركين ، وحشد قواهم ، عند ذاك نادى : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [ سورة الإسراء ؛ الآية : 78 ] . فإن قيل ( إنما وقع العجز في الإنس دون الجن . فالجواب : أن الجن ليسوا من أهل اللسان العربي الذي جاء القرآن على أساليبه ، وإنما ذكروا في - الآية - تعظيما لشأنه ، لأن للهيئة الاجتماعية من القوّة ما ليس للأفراد ، فإذا فرض اجتماع الثقلين وظاهر بعضهم بعضا ، وعجزوا عن المعارضة ، كان الفريق الواحد أعجز ) « 1 » . ولما لم يكن التحدي موجها للإنس دون الجن ، أو الثقلين دون الآلهة المزعومة ، أو لهؤلاء جميعا في فترة دون الفترات الزمانية التالية ، وقد وقع التحدي ولا يزال ولو بسورة واحدة - موضوعا - وإلى كل أولئك وسواهم - جهة - وقد توالت ألف وأربعمائة سنة وظهر من الناس ما شاء اللّه ، ومن الآلهة والأرباب البشرية والحجرية ما شاءت الأهواء . . . ولم يقو أحد على مجاراة القرآن ، في أي وجه من وجوه إعجازه - التي سنذكرها فيما بعد إن شاء اللّه - ثبت بذلك ، قصور جميع تلك القوى عنه ، وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا .
--> ( 1 ) وقال بعضهم : بل وقع للجن أيضا والملائكة منويون في الآية ، لأنهم لا يقدرون أيضا على الإتيان بمثل القرآن ، وقال الكرماني في غرائب التفسير إنما اقتصر في الآية على ذكر الجن والإنس لأنه صلّى اللّه عليه وآله وسلم كان مبعوثا إلى الثقلين دون الملائكة ) أنظر : معترك الأقران في إعجاز القرآن للسيوطي . القسم الأول ص 7 .